النويري

221

نهاية الأرب في فنون الأدب

رائحة سواك ، وكنت إذ ذاك خيرا لك منك الآن لي ؛ ولئن كان عرّض بك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في هذا الأمر فلم يكن معرضا عن غيرك ، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك ، وإن تلجلج في نفسك شئ فهلمّ فالحكم مرضىّ ، والصواب مسموع ، والحقّ مطاع ؛ ولقد نقل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى ما عند اللَّه عزّ وجلّ وهو عن هذه العصابة راض ، وعليها حدب ، يسرّه ما يسرّها ، ويسوءه ما يسوءها « 1 » ، ويكيده ما كادها ، ويرضيه ما أرضاها ، ويسخطه ما أسخطها ، أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وأقاربه وسجرائه « 2 » إلا أبانه بفضيلة ، وخصّه بمزيّة ، وأفرده بحالة ؟ أتظنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ترك الأمة سدى بددا ، عباهل مباهل « 3 » ، طلاحى « 4 » ، مفتونة بالباطل ، معنونة « 5 » عن الحقّ ، لا ذائد ولا رائد ، ولا ضابط ولا حائط ولا رابط ، ولا ساقى ولا واقى ، ولا هادي ولا حادي « 6 » ؛ كلا ، واللَّه ما اشتاق إلى ربه تعالى ، ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه إلَّا بعد أن ضرب المدى « 7 » ، وأوضح

--> « 1 » كذا ورد هذين الفعلين في الأصل بصيغة المضارع ، والذي في صبح الأعشى ج 1 ص 241 : « ما سرها » و « ما ساءها » بصيغة الماضي ، وهو أظهر لمشاكلته لما بعده . « 2 » السجراء : الأصفياء ، واحده سجير كأمير . « 3 » العباهل من الإبل : المهملة . والمباهل بمعناه ؛ استعار ذلك للذين تفرقت كلمتهم وتشتت شملهم . « 4 » الطلاحى : الإبل التي نشتكى بطونها من أكل الطلح ، أراد به هنا القوم الذين لا راعى لهم يصدّهم عما يضرهم ، ولا قانون يمنعهم عن أن يردوا موارد تسوءهم ، فهم يتبعون ما تقودهم اليه الشهوة كالإبل التي تأكل من الطلح الذي يؤذيها حتى تشتكي بطونها . « 5 » معنونة : من عننت الفرس ، أي حبسته بالعنان . « 6 » في الأصل : « ذادى » ؛ وهو تحريف . « 7 » ضرب المدى ، يريد : بين الغاية .